الخطابات
كلمة صاحب السمو خلال إعلانه إستراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة - 17 أبريل 2007
بسم الله الرحمن الرحيم
"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة؛ أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد؛ الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهنئ صاحب السمو رئيس الدولة وحكام الإمارات وشعب الإمارات باحتلال دولة الإمارات موقع الصدارة في تقارير التنافسية الاقتصادية والشفافية، وفي هذا إنجاز عظيم في عهدكم يا صاحب السمو خلال فترة وجيزة لم تتجاوز 14 شهراً، ونأمل أن يكون هذا أول الغيث.
علينا أن ندرب القيادات ليصبحوا أسوداً كلاً في موقعه، وأنا سعيد أن أقول لكم إن القيادات التي أتفاعل معها وتتفاعل معي بشكل مثمر هي من أفضل القيادات، وهي جميعها تقوم بواجباتها على خير وجه.
يسعدني ويشرفني في هذا اليوم التاريخي، ومن خلال هذا المنبر وسط هذا الجمع الكريم، أن أعرض عليكم إستراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة للمرحلة المقبلة، التي استلهمنا سطورها من خطاب التمكين، وبنينا محاورها وأهدافها من رؤيتكم يا صاحب السمو، التي وضعتموها خارطة لطريقنا في العيد الرابع والثلاثين لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، فكان الهدف واحداً: تحقيق التنمية المستدامة وضمان جودة حياة عالية للمواطنين.
نحن جادون أن نكون الأوائل عالمياً.
إخواني.. اجتمعنا اليوم لنتحدث عن التحديات.. عن هموم الوطن، وعن آمال المواطنين.. اجتمعنا لنتحدث عن قضايا الناس.. عن تعليم أبنائهم، وعن توفير الحياة الكريمة لهم، وعن تقديم أفضل الخدمات في المجالات كافة وفي أرجاء الوطن كافة لشعب دولة الإمارات.. اجتمعنا لنتحدث عن التحديات، ولنتحدث عن الحلول، كما اجتمعنا أيضاً اليوم للحديث عن المستقبل.. عن آمال الحكومة وطموحاتها، وعن رؤيتنا للمستقبل وإستراتيجيتنا للمنافسة والصدارة في السباق نحو الريادة.
وإننا إذ نقدم هذه الإستراتيجية، التي تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الحكومي، فإننا نستذكر بكل الإجلال والتقدير، وبكل الحب والوفاء، الآباء المؤسسين الذين بذلوا وضحوا وسهروا من أجل الوطن، نستذكر حبهم للوطن ولإنسان هذا الوطن، نستذكر مواصلتهم الليل بالنهار من أجل بناء الإنسان وتعويض أبناء هذا البلد عن المعاناة التي عاشوها قبل الاتحاد، نستذكر فيهم استشعارهم عظم الأمانة والمسؤولية التي كانت ملقاة على عاتقهم، وكيف أدوها على أكمل وجه، ومضوا إلى ربهم وقد رضي شعبهم عنهم ورضوا عن أنفسهم.. ولقد شاركناهم البناء.. وشاركونا العطاء، نهلنا من حكمتهم.. ولم يبخلوا علينا يوماً بالتعليم والإرشاد والتوجيه، لقد استلهمنا منهم قوة الإرادة، وثبات العزيمة، والإصرار على قهر التحديات في سبيل تحقيق أحلامنا وتطلعات شعبنا، ولقد حملونا أمانة إكمال المسيرة التي بدأوها، والتي نسأل الله أن يعيننا عليها بالإرادة القوية والرؤية الواضحة والعناصر المخلصة.
إخواني.. لقد استلهمنا من الآباء المؤسسين، ومنكم يا صاحب السمو، أن تغير الأوقات والأزمنة يفرض علينا تغيير الأدوات، وأن تغير الظروف يفرض علينا أن نفكر بطريقة مختلفة، وأن القيادة إذا لم تواكب المتغيرات من حولها فإنها تتأخر بركب شعبها عن المقدمة، وأن تغير الزمن، واختلاف طبيعة التحديات، فرضا علينا أن نفكر بطريقة مختلفة، وأن نستنبط من الواقع أفضل الحلول، وأن نتبنى أفضل الممارسات العالمية في مجال الإدارة الحكومية، فكانت هذه الإستراتيجية، التي توحد الجهود وتحشد الطاقات في إطار واضح، وأهداف محددة.
لقد اهتدت الحكومة في هذه الإستراتيجية ببرنامج العمل الوطني، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في ديسمبر من العام 2005، واعتمده المجلس الأعلى في الشهر نفسه، وبالتالي فإن أهداف هذه الإستراتيجية هي الأهداف نفسها في برنامج الشيخ خليفة: تحقيق التنمية المستدامة وضمان جودة حياة عالية للمواطنين. إن بناء الإنسان غاية تبرر لنا كل الوسائل المشروعة.
لقد تضمّنت إستراتيجية حكومة دولة الإمارات 21 موضوعاً موزعة على ستة قطاعات رئيسية، هي قطاع التنمية الاجتماعية، قطاع التنمية الاقتصادية، قطاع العدل والسلامة، قطاع التطوير الحكومي، قطاع البنية التحتية، وقطاع تطوير المناطق النائية، حيث انطلقت الإستراتيجية من المبادئ التالية:
ـ تعزيز التعاون والتنسيق بين السلطات المحلية والسلطات الاتحادية.
ـ تفعيل الدور التنظيمي في الوزارات، وتحسين وضع السياسات وآليات صنع القرار.
ـ رفع كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة والتركيز على المتعاملين.
ـ تطوير قوانين الخدمة المدنية، وتنمية الكوادر البشرية بالتركيز على الجدارة والاستحقاق وتأهيل قيادات الصف الثاني.
ـ الاستمرار في منح الوزارات المزيد من الاستقلالية في إدارة أعمالها ضمن الالتزام بالسياسات العامة وتكامل الأداء.
ـ مراجعة وتحديث القوانين والتشريعات.
وقد شكلنا ستة فرق عمل وزارية، وكلفناها بإعداد الاستراتيجيات في القطاعات الستة، وشارك في إعداد الإستراتيجية حوالي خمسمئة من الكفاءات والقيادات الحكومية. أما وثيقة الإستراتيجية نفسها، فتقع في مئات الصفحات، وتتناول القطاعات كافة بالتفصيل من حيث وضعها الراهن والأهداف المبتغاة والتوصيات الكفيلة بتحقيق الأهداف، لذلك سأكتفي بعرض موجز لملامح الإستراتيجية، ولن أتوقف عند الوضع الراهن للقطاعات الستة، مكتفياً بالإشارة إلى أنه وضع مرتبك، ويعاني من نقص في أنشطة التخطيط الاستراتيجي، وضعف في الإطار التشريعي والقانوني والإداري، وغياب للسياسات الواضحة تجاه الأنشطة الحيوية والمهمة كافة.
ولعل السبب في هذا الوضع المرتبك، هو ضخامة حجم المتغيرات وسرعة حدوثها خلال السنوات القليلة الماضية، فضلاً عما تتسم به المؤسسات الاتحادية في كل نماذجها على مستوى العالم، من بطء في الاستجابة للتغيير، نظراً لطبيعة الدولة الاتحادية، باعتبارها دولة مركبة من أقاليم عدة، تكون دورة صنع القرار في مؤسساتها أطول منها في الدولة البسيطة المكونة من إقليم واحد.
ونحن مصممون على إنهاء هذا البطء، فالتطوير الجذري للمؤسسات الاتحادية لن يرتقي بالعمل الحكومي فقط، لكنه سيؤدي أيضاً إلى تفعيل التنسيق وآليات العمل بين السلطات الاتحادية والسلطات المحلية، والواقع أن التطوير بدأ في المؤسسات الاتحادية التشريعية والتنفيذية، وستأخذ عجلة التطوير مداها وسرعتها القصوى في الإستراتيجية التي نجتمع حولها اليوم.
إن تعزيز التنسيق بين الاتحادي والمحلي موضوع بالغ الحيوية والأهمية، فالتشريعات الرئيسية كافة المنظمة للاقتصاد والتجارة والعمل والتعليم والصحة هي من اختصاص الاتحاد، ويجب أن يتصف هذا الاختصاص بالفاعلية ليواكب المتغيرات والمستجدات، بخاصة أن تنفيذ العديد من الأنشطة يدخل في الاختصاص المحلي، فإذا لم يكن التنسيق فعالاً تظهر الثغرات وتتسع الاستثناءات ويضيع وقت طويل، ومن ذا الذي يملك ترف الوقت في هذا الزمان الذي لا يعرف الانتظار، وفي هذا العصر سريع التطورات؟
إخواني.. إن وحدة الهدف والرغبة الصادقة للتطوير والمصير الواحد، تجبرنا على تعزيز التنسيق بين الاتحادي والمحلي، وصياغة منظومة متكاملة من الأهداف المشتركة، حيث تتوحد الجهود وتتكامل الأدوار لتحقيق الأهداف.
إنني، ومن هذا المنبر، أدعو أن تكون جميع استراتيجياتنا المحلية متناسقة ومتكاملة مع إستراتيجية الحكومة الاتحادية، وإننا على استعداد أن نساهم بشكل فعال في صياغة الاستراتيجيات المحلية وتبادل الخبرات في هذا المجال.
صاحب السمو رئيس الدولة،،
أخواتي وإخواني،
لقد كان المواطن وما زال محور سياسات ومشاريع الدولة وقيادتها الرشيدة، ولم تتأخر الدولة يوماً عن بذل كل الجهود والإمكانيات المتاحة لتنمية مجتمع الإمارات وإنسان الإمارات، ونحمد الله على ما وصلت إليه الإمارات من مكانة وما حققته من تقدم في المجالات كافة.
وقد أنفقت الدولة مئات المليارات على التعليم والرعاية الصحية والإسكان والرعاية الاجتماعية والثقافة والشباب والرياضة، لكن على الرغم من حجم الإنفاق الكبير، فإن المردود كان أقل من الممكن ودون مستوى الطموح. ففي بعض المجالات، مثل التعليم والخدمات الصحية، كان المردود متواضعاً، وكانت المخرجات ضعيفة، وربما أن هذا الكلام لا يعجب خبراء التنظير في التعليم والصحة، لأنهم يبررون ضعف المردود بعدم كفاية المخصصات المالية، وهذا تبرير خاطئ، وسأشرح لماذا هو خاطئ:
ميزانية التعليم تزيد عاماً بعد عام، ومنذ عشرين سنة وأكثر ونحن نرى خططاً ومشاريع واقتراحات وسياسات ووعوداً، لكن المخرجات تزداد ضعفاً، وحتى عندما قرر أهل التربية قصر المدارس الحكومية على الطلاب المواطنين، ظلت الميزانية في ارتفاع متواصل، وزاد معدل الإنفاق على الطالب، ومع ذلك لم تتحسن مخرجات التعليم.
أسأل هنا، ما شأن الميزانية بتخلف طرق ومحتوى التعليم؟ هل الميزانية تفرض نوعية المناهج؟ هل الميزانية تجبر أهل التربية على التمسك بطرق التعليم القائمة على التلقين والحشو والحفظ، كأنما هدف التعليم هو فقط قياس سعة ذاكرة الطالب، وليس تزويده بالمعارف الضرورية للحياة، وبالقدرة على التفكير والاختيار؟
والمدهش أن وزارة التربية استعانت منذ إنشائها بأفضل الخبرات والمستشارين، ولم تترك نظاماً تعليمياً متقدماً في العالم إلا وأرسلت الوفود للاطلاع عليه ودراسته، وتوصلت إلى تصورات وخطط ممتازة، لكن العلة في التطبيق.. العلة في إدارة التعليم.. في ثقافة اللاحسم واللاقرار، التي تكتفي بتشخيص المشكلة ووصف الحلول والإعلان عنها في الصحف، والتفرج عليها من دون تطبيقها، أو التراجع عن التطبيق فور ظهور أية صعوبة أو عقبة صغيرة.
أسهل حل لتبرير التقصير هو التعلل بعدم كفاية الميزانية، وتقديم مقارنات دولية لإظهار أن معدل الإنفاق على التعليم في الإمارات قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي هو من أقل المعدلات في العالم.
لكن ما هكذا تورد الإبل، فالمقارنة تكون مضللة إذا لم ترتبط بعدد السكان وبعدد الطلاب، وإذا لم تأخذ في الاعتبار الإنفاق الذي تقوم به الحكومات المحلية، بالإضافة إلى الإنفاق على التعليم الخاص، وهو بالمناسبة لا يقل عن الإنفاق على التعليم العام.
هذا الوضع الملتبس للتعليم لن يستمر، الدولة لم تتأخر يوماً ولن تتأخر عن توفير احتياجات التعليم.
ولكن لو أنفقنا على التعليم عشرة أضعاف ما ننفقه اليوم، لن نصل إلى نتائج أفضل، ما لم نبتكر حلولاً جذرية وشاملة وصحيحة لمشاكل التعليم.
الوضع الراهن للتعليم يُلحق بالوطن والمواطنين خسائر فادحة، وسأعطيكم نموذجاً لهذه الخسائر:
تخلف طرق التعليم أدى إلى ضعف مخرجات التعليم؛ أي ضعف مستوى خريجي الثانوية العامة.
أكثر من يعاني من هذا الضعف هي الجامعة، التي اكتشفت أن الطلاب غير قادرين على السير في الدراسة الجامعية، فاضطرت إلى تنظيم برامج تقوية تستمر سنة أو سنتين لتعويض الضعف في تحصيل خريجي الثانوية العامة.
تستنزف هذه البرامج حوالي ثلث ميزانية الجامعة، وهذا أمر مقدور عليه، لكن ماذا عن ضياع سنة إلى سنتين من أعمار الطلاب؟
كيف نعوض هذه الخسارة؟
لو تم توجيه مخصصات برامج التقوية إلى المدارس الثانوية لتقوية طلابها، لكان الطلاب قد كسبوا سنة أو سنتين من عمرهم الإنتاجي، ولكان الوطن قد كسب عشرات آلاف السنوات الإنتاجية.
أطلب من وزيري التربية والتعليم العالي معالجة موضوع برامج التقوية، لتكون في المرحلة الثانوية بدءاً من العام الدراسي المقبل، على أن تحل هذه المشكلة جذرياً خلال ثلاث سنوات.
لقد أطلت الحديث عن التعليم لأهميته الفائقة، في التعليم لا مجال للحلول الوسط، ولن أقبل إلا الإيجابية الكاملة والتطبيق الكفء والكامل.
ما ينطبق على التعليم ينطبق أيضاً على الخدمات الصحية، لا مشكلة لدينا في أعداد الأطباء وسعة المستشفيات وانتشار العيادات وتوفر أحدث الأجهزة والمعدات، لكن لدينا مشكلة في جودة الخدمات الصحية!... مستوى هذه الخدمات ضعيف، والسبب يكمن في إدارة الخدمات الصحية.
الطب يتطور بسرعة مذهلة، وعندنا أطباء لم يجددوا معلوماتهم ولم يحضروا مؤتمراً طبياً منذ عشرين سنة، ولدينا مستشفيات تتوفر على أحدث الأجهزة، ولكنها تفتقر إلى معايير الجودة، وتفتقر إلى الكفاءات المناسبة وإلى التدريب المستمر.. شروط مزاولة الطب على مستوى الأطباء والممرضين والمستشفيات يجب أن تتغير، ويجب وضع قوانين وأنظمة تضمن تطبيق أفضل المعايير العالمية على تراخيص ممارسة المهنة وتجديد التراخيص للأطباء والمستشفيات والعيادات والمختبرات، بالإضافة إلى تطبيق نظم الجودة في المستشفيات والحصول على الاعتماد الدولي لها.
خطة الحكومة في مجال الخدمات الصحية تغطي أيضاً اعتماد أفضل نظم التأمين الصحي، وتعمل على تشجيع القطاع الخاص للقيام بدور أكبر في مجال الخدمات الصحية.
نأتي الآن إلى محور السكان والقوى العاملة، وهذا موضوع يشغل بال القيادة والمواطنين، ويطرح جملة من التحديات يعرفها الجميع، لدينا وضع سكاني يحتاج إلى علاج، وخطة الحكومة في هذا الموضوع تتلخص في تطوير سياسة سكانية شاملة تضمن معالجة الوضع السكاني في الدولة.
لكن هناك مسؤولية يتحملها أيضاً المجتمع، فالعمالة المنزلية تبلغ نسبتها حوالي 10% من العمالة الوافدة، وهذه نسبة مرتفعة يتحمل مسؤوليتها المجتمع عموماً، ومجتمع المواطنين خصوصاً، فبعض الأسر لديها عمالة منزلية أكثر من عدد أفراد الأسرة، ومعظم الأسر لديها عمالة منزلية تزيد على حاجتها، وأحياناً يدخل ارتفاع العدد في مجال التفاخر والتباهي.
علاج هذه الظاهرة بيد المجتمع، وفي الوقت نفسه فإن الحكومة ستنظم وضع العمالة المنزلية، والبداية في النظام وعقد العمل الموحد، الذي سيطبق بداية الشهر المقبل.
هناك أيضاً نسبة عالية من العمالة المؤقتة تتجمع في الأنشطة الهامشية، لا بد من وقف تراخيص الأنشطة التي تضيف عمالة وليس لها مردود واضح على اقتصادنا الوطني. ولدينا حلول تعتمد بشكل أساسي على شبابنا وشاباتنا، كمشروع أسواق الذي يعتمد على أحدث منجزات التكنولوجيا ويقلص الحاجة إلى العمالة الهامشية ويهيئ فرصاً استثمارية واسعة للشباب.
يعتقد البعض أيضاً أن استراتيجيات التنمية في الإمارات قد تعطل جهود علاج الوضع السكاني، باعتبار أن تحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات بغرض جلب المعرفة يستدعيان استضافة خبرات وكفاءات أجنبية، فكيف نوفق بين هذه وتلك؟
التوفيق ممكن وفي متناول اليد إذا أحسنا إدارتنا لعملية إعادة هيكلة الاقتصاد باتجاه اقتصاد المعرفة، وإذا أحسنا تطوير التعليم ورفع كفاية مواردنا البشرية وتشريعاتنا وأداء وزاراتنا ومؤسساتنا، وإذا ما أعدنا للعمل اعتباره وقيمته الأخلاقية والاجتماعية العليا، وإذا أحكمنا التنسيق بين السلطة الاتحادية والسلطات المحلية.
من جانب آخر، فإن التوطين له أولوية مطلقة في برنامج العمل الوطني وخطة الحكومة، ونحن نتمنى أن يتواجد المواطنون في كل مواقع العمل وفي قلب النشاط الاقتصادي.
الأمنيات مشروعة، والحلم هو هدف يسعى الإنسان لتحقيقه.. لا يمكن أن تحقق الحلم إذا لم تنطلق من الواقع، وإلا تحول الحلم إلى سراب.. يجب أن يكون شبابنا وشاباتنا نخبة تتنافس عليها مؤسسات الحكومة وشركات القطاع الخاص..
أسهل شيء أن نفرض التوطين فرضاً.. نستطيع أن نفعل ذلك في أي وقت، لكن ماذا ستكون النتيجة إذا لم نكن قد أعددنا المواطن الإعداد الأفضل ودربناه وأهلناه ليكون جديراً بأهم الوظائف؟
قبل فترة تحمس وزير العمل وأصدر قرارات بتوطين بعض الوظائف خلال سنتين.. أنا أقدر حماسه وإخلاصه، لكن قراراته لم تكن موفقة، لأنها تجاهلت الواقع والأولويات، مثلاً قرار توطين وظائف السكرتارية، هذه الوظيفة مهمة، وكل وظيفة مهمة، لكننا بحاجة للمواطنين والمواطنات في وظائف أكثر أهمية.
ولم يكن موفقاً قرار توطين وظيفة مديري الموارد البشرية في القطاع الخاص خلال 18 شهرا.. يوجد نقص في هذا التخصص على مستوى العالم، وليس على مستوى الإمارات فقط.. ليكن بين أهدافنا المحددة توطين هذه الوظيفة، لكن علينا إعداد الموارد البشرية الوطنية وتسليحها بالعلم والخبرة، هذا الهدف يتحقق بمقدار النجاح في إعداد الكوادر.
أنا أعرف أهمية بناء قدرات مواطنة في مجال الموارد البشرية، وقد أنشأنا معهداً مختصاً لتنمية الموارد البشرية، ولدينا برامج لإعداد القيادات الشابة، وسنطور معهد التنمية الإدارية.
نريد توطيناً حقيقياً وليس صورياً، ونحن قادرون على ذلك ضمن خطة شاملة تحدد الأولويات وبرامج التأهيل والتدريب وتتكامل فيها الجهود الاتحادية والمحلية.
تستهدف الإستراتيجية أيضاً تطوير وتنفيذ سياسات مستقرة لتنظيم سوق العمل، وتحديد معايير بيئة العمل وسكن العمال، وتعزيز الرقابة والتفتيش للتأكد من تطبيق القانون وحفظ حقوق جميع الأطراف. لن نترك الوضع السكاني والعمال من دون معالجة شاملة، فالقوانين بيدنا.. نحن وضعناها، ونحن نطورها ونغيرها.
الحكومة تتحرك في موضوع السكان وسوق العمل كما يجب، وستطور القوانين والأنظمة، وتضمن تنفيذها في أرجاء الدولة كافة، وستشدد عقوبات المخالفات لتكون رادعة لكل من يخالف القانون، ولن تكون هناك أي استثناءات.
أتساءل هنا، لماذا لدينا نسبة عالية من العمالة المخالفة، 300 ألف تقريباً حسب تقديرات وزارة العمل، والجواب هو أن هناك من يقوم بالتعامل مع هذه العمالة من خلال تشغيلها وإيوائها.
أطلب سن تشريعات مشددة ضد من يقوم بتشغيل العمالة المخالفة، وفرض عقوبات تصل إلى السجن، فالذي يخالف القانون يعرض أمن الوطن للخطر، ويعرض استقرار سوق العمل للاهتزاز، ويعرض سمعة الدولة للتشويه، ولن نسمح بذلك أبداً.
بقي محوران في التنمية الاجتماعية، وهما الرعاية الاجتماعية والثقافة والشباب.
تستهدف الخطة الارتقاء من مفهوم الرعاية الاجتماعية إلى مفهوم التنمية الاجتماعية، وتوسيع العمل التعاوني والإرشاد الأسري، وتطوير جمعيات النفع العام، والبرامج المخصصة للمرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة.
وعلى سبيل المثال، فإن 54% من المستفيدين من قانون الضمان الاجتماعي هم أفراد في سن العمل.. عدد هؤلاء حوالي 18 ألف مواطن ومواطنة، وهذا العدد مرشح للارتفاع. كيف يمكن إشراك هذا العدد في عملية التنمية، ليصبح منتجاً وفعالاً في المجتمع؟.. هذه سواعد معطلة يحتاجها الوطن، ويحتاج أصحابها إلى أن يكونوا منتجين، ليستكملوا مقومات إنسانيتهم، ومن واجب الحكومة أن تشق لهم الطريق، بالتدريب والتأهيل وتفعيل برامج الأسر المنتجة، وتمويل المشاريع الصغيرة.
إن أحد أهم محاور إستراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الثقافة والشباب، هو تعزيز الانتماء الوطني والهوية الوطنية، وخاصة في نفوس الأجيال الناشئة.
أخواتي وإخواني..
لعل ذكريات كأس الخليج الأخيرة ما زالت حاضرة في أذهاننا، ولعلكم تذكرون الفرحة العارمة التي عمت كل بيت، وشملت الصغير قبل الكبير، والنساء قبل الرجال.. وتذكرون جيدا كيف شارك كل من على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين في هذه الفرحة، وكيف أحس الجميع بأن فوز الإمارات هو فوز شخصي لكل منهم.. لقد كان الشعور عارماً، والأحاسيس كلها موحدة في حب الإمارات وحب الفوز للإمارات.
لقد كانت تلك المشاعر الفياضة والأحاسيس القوية أكبر دليل، وأقوى برهان على حب الوطن، وعلى مشاعر الانتماء التي تمتلئ بها نفوس أبنائنا.
لسنا بحاجة إلى من يعطينا دروسا في حب الوطن، فحب الوطن ملأ القلوب، ومتى احتاج النهار إلى دليل.
نريد أن نعزز هذه الروح في نفوس أبنائنا، لأن هذه الروح هي الوقود للانطلاقة، وهي ما يدفعنا ويدفع أبناءنا إلى التضحية وبذل الغالي والنفيس من أجل الإمارات، ومن أجل أن يظل علم الإمارات مرتفعاً خفاقاً على أعلى السواري، وفي أكبر المحافل.
إخواني..
إننا نمتلك تراثاً غنياً نعتز به، وموروثاً ثقافياً يكوّن هويتنا الوطنية، التي نعتز ونفاخر بها.. لسنا طارئين على التاريخ، ولا غرباء عن الحضارة الإنسانية، إننا أصحاب هذا الجزء من العالم منذ آلاف السنين، وحملة النور والهداية للبشرية جمعاء.. لا بد أن نغرس هذه الروح في أبنائنا، ليستطيعوا التعامل مع العصر بثقة وتفاؤل واعتزاز بالذات والهوية..
كما لا بد أن يكون تراثنا حاضراً ومتألقاً ومتطوراً، ونعمل على تنميته وتلقينه لأبنائنا في المدارس.. وهنا أنوه بمجموعة من المبادرات التي يرعاها برنامج "وطني"، وجهود المراكز واللجان والجمعيات والأفراد في جمع التراث وتدوينه، وزيادة اهتمام بعض وسائل الإعلام بالبرامج الثقافية والتراثية.
أما بالنسبة للرياضة، والتي تمثل أحد الجوانب المهمة في التنمية البشرية وفي السعي لبناء إنسان متكامل، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد من الرياضة؟... جوائز... كؤوساً... ميداليات.
نعم نريد ذلك، ونريد أن نرى أبناءنا وبناتنا على منصات التتويج، ونريد أن نرى علم الإمارات يرتفع والسلام الوطني يعزف في كل المحافل الرياضية الإقليمية والدولية.. نريد للحظة الفرح الحقيقي، التي عاشها المواطنون بأبنائهم وهم يتسلمون كأس الخليج قبل ثلاثة أشهر، أن تتكرر في كل المحافل الرياضية، ولكي تتكرر هذه اللحظة، علينا أن نضع هرم الرياضة على قاعدته، وأن ننهي وقوفه على رأسه.
الرياضة عندنا تبدأ في الأندية، بينما الأصل أن تبدأ في المدارس، لتتسع قاعدة الرياضيين ويتم الكشف مبكراً عن المواهب، والأهم من ذلك أن الرياضة وسيلة تربوية مضمونة النتائج، فإذا لم يفرغ الفتيان والشبان طاقاتهم وعنفوانهم في أنشطة مفيدة، يمكن أن ينحرفوا ويتجهوا إلى أنشطة مضرة.. الفراغ مفسدة للشباب وأي مفسدة؟ بينما الرياضة تبني الجسم، وتنشط العقل، وتهذب الأخلاق، وتُعوّد على العمل الجماعي، وتخلق روح الفريق.
أطلب من وزير التربية والتعليم، ومن الجامعات، إعادة الاعتبار إلى الرياضة وإدخالها في المناهج، وتنظيم منافسات على مستوى المدارس والمناطق التعليمية والكليات والجامعات.
إن إستراتيجية الحكومة هي تبني الرياضة كأسلوب للحياة السعيدة، وزيادة وعي المجتمع بأهميتها، ونشر مرافقها في كل المناطق والأحياء.
قبل أن أختم في موضوع التنمية الاجتماعية، لا بد أن أشير إلى أدوار غائبة على الرغم من أهميتها وحيويتها، ومنها دور القطاع الخاص.
بدايةً، أشكر الشركات ورجال الأعمال الذين يبادرون إلى تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية، وبعضهم لا تعرف يده اليسرى ما تقدمه يده اليمنى، لكن هؤلاء الخيرين يمثلون الاستثناء لقاعدة عريضة تدير ظهرها للمجتمع.
هذا وضع لا ينسجم مع قيمنا وعاداتنا، ولا مع تعاليم ديننا، وهو وضع سيضر إن عاجلاً أم آجلاً بمكانة المقصرين، وسيؤثر في فرص نمو أعمالهم. فأداء الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية بات معياراً دولياً في تقييم الشركات، وفرص منافستها ونجاح أعمالها.
ومن بين أبسط وجوه المسؤولية الاجتماعية للشركات الحفاظ على سمعة الدولة، ولعلكم تعرفون أن سبب معظم الملاحظات السلبية في التقارير الدولية عن الإمارات، هو عدم قيام بعض الشركات بمسؤولياتها، ليس فقط تجاه المجتمع، وإنما تجاه عمالها وموظفيها.
وكما أن الحكومة حريصة على توسيع دور القطاع الخاص؛ أي زيادة فرصه وأعماله، فإن هذا التوسع يجب أن يرتبط بأداء هذا القطاع لمسؤولياته الاجتماعية.. يجب أن نضع الآليات المناسبة لمنح المدركين لمسؤولياتهم الاجتماعية فرصاً أكبر وأوسع من غيرهم.
ننتظر من القطاع الخاص مبادرات إستراتيجية تجاه الوطن والمجتمع.. إن المنح والوقفيات هي المصدر الرئيسي لتمويل أعرق الجامعات في العالم، وتمويل مراكز البحث العلمي، وإنشاء المستشفيات والمدارس، وتنظيم برامج للتوعية، ومساعدة الفئات الأقل حظاً.. في الدول المتقدمة يفعلون ما كان يفعله أسلافنا قبل أكثر من ألف سنة، حين كان الوقف الخيري أحد محركات النهضة والتقدم العلمي والفاعلية الحضارية للعرب والمسلمين.
للأسف الشديد إن تجاوب هذه الفئة من المجتمع لم يكن ضعيفا مع الوقف الخيري فقط، ولكن تعداه إلى فريضة الزكاة التي افترضها الله عز وجل عليهم وجعلها أحد أركان الإسلام. لقد أنشأت الحكومة صندوقا للزكاة ليساعد الناس على إخراج زكاة أموالهم وصرفها لمستحقيها، ولكن للأسف كان التجاوب ضعيفاً، خصوصاً من كبار رجال الأعمال، وكانت عوائد الصندوق للسنة الأخيرة لا تتجاوز 48 مليون درهم فقط، بينما التقديرات تشير إلى أضعاف مضاعفة لهذا الرقم لو أخرجوا زكاة أموالهم.. ولكم أن تتخيلوا حجم مساهمة هذه الأموال في تنمية المجتمع إذا تم إنفاقها في مصارف الزكاة.
وأنا أسأل، ماذا يبقى للإنسان غير العمل الصالح والسمعة الطيبة؟.. إن الإنسان يلاقي وجه ربه بعمله الصالح لا بثروته وجاهه.. والله إن لذة العطاء أكبر من أية لذة أخرى، ويكفي أن من أسماء الله الحسنى وصفاته: المعطي والكريم والمحسن والعاطي والوهاب والرزاق.. وهل هناك أعظم من الاقتداء بصفات الله عز وجل؟
صاحب السمو رئيس الدولة،
أخواتي وإخواني،
واصلت دولتنا خلال السنوات الماضية نموها الاقتصادي، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للدولة من 261 مليار درهم سنة 2002 إلى حوالي 599 مليار درهم سنة 2006.
لقد صدر مؤخراً مؤشر تقرير البنك الدولي لممارسة أنشطة الأعمال، وسجل تراجع ترتيب الإمارات تسع درجات، من المستوى 68 إلى المستوى 77.
وعلى الرغم من الملاحظات على عدم دقة هذا المؤشر، إلا أنه يبقى مرجعاً دولياً تأخذه الشركات ويأخذه المستثمرون بعين الاعتبار.. علينا أن نتعامل معه كما هو، وأن نبحث، لا في أسباب تراجع ترتيب الإمارات، إنما في أسباب عدم تقدم هذا الترتيب.. ربما أخطأ المؤشر بخمس أو عشر درجات، وهذا الخطأ إذا وقع لا يقدم ولا يؤخر.. ما يهمنا هو أن نحدد لأنفسنا مرتبة نرتضيها، وأن نتخذ من الأسباب ما يؤمن تحقيق هذه المرتبة.
إن إستراتيجيتنا في المرحلة المقبلة تركز بشكل أساسي على تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وتحديث القوانين والتشريعات الاقتصادية، وتعزيز القدرة على تنفيذها، لذا فإنه من المهم تقوية الدور التنظيمي للحكومة الاتحادية، وتنشيط عملية صياغة وتنفيذ السياسات المالية والتجارية، وتطوير الأطر المؤسسية وبناء القدرات.
غير إن المسؤولية الكبرى تبقى في تفعيل مشاركة المواطنين في الأنشطة الاقتصادية من خلال التركيز على تأهيل وإعداد المواطنين للتنافس بشكل أفضل في سوق العمل، وتنمية روح الريادة والابتكار، وتشجيعهم على تأسيس مشاريعهم وإدارتها.
نأتي الآن إلى المحور الثالث من الإستراتيجية، وهو محور تطوير القطاع الحكومي:
القطاع الحكومي هو قطاع إنتاجي بامتياز، ومستوى الأداء في هذا القطاع هو الذي يقرر مستوى التقدم في الإمارات، وهو الذي يقرر صعوبة أو يسر تحقيق أهداف برنامج العمل الوطني وخطة الحكومة الإستراتيجية، وقد وضعت الخطة أربعة محاور إستراتيجية لتطوير القطاع الحكومي، هي:
أولاً: التركيز على أنشطة التخطيط الاستراتيجي، ووضع نظام متكامل لمتابعة الأداء.
ثانياً: تطوير نظام الخدمة المدنية، والتركيز على تأهيل قيادات الصف الثاني، وتعزيز مبدأ الجدارة والاستحقاق كمعيار رئيسي في عمليات الاستقطاب والترقية والمحافظة على الموظفين.
ثالثاً: تطوير مستوى الخدمات الحكومية من خلال تطبيق أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال، والتركيز على نشر ثقافة الخدمة المتميزة للمتعاملين.
رابعاً: تفعيل برنامج الحكومة الالكترونية، مع تبني أسلوب تحول شامل لتقديم الخدمات، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم بعض الخدمات.
إن تطوير هذا القطاع محل متابعتي الشخصية، ولن أقبل بأقل من تحقيق الأهداف الموضوعة ضمن البرامج الزمنية المحددة، فتطوير هذا القطاع هو الطريق الذي لا بد من أن نسلكه لتطوير التعليم والخدمات الصحية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وكل تطوير ينطوي على تغيير، لكن كثيراً من الناس يفضلون ما ألفوه واعتادوا عليه، فعلى مدار السنوات الماضية سادت في وزارات الحكومة وإداراتها أساليب عمل وأنظمة بعضها لم يتغير منذ قيام الاتحاد، وترتب على ذلك ثقافة عمل منسجمة مع ما اعتاده الموظفون، ومع ما رتبوه من علاقات وعرفوه من إجراءات روتينية.
هذه الثقافة لا تصلح لدولة الإمارات وطموحاتها، ثقافة العمل السائدة يجب أن تتغير، لتحل محلها ثقافة الإبداع والابتكار والإنتاجية والتفاني في أداء الواجب.
وستكون القوانين والأنظمة والهياكل الإدارية والمالية في خدمة هذه الثقافة الجديدة، وستكون الوزارات وحدات إنتاجية تنافس في أدائها أفضل الممارسات العالمية، وقد أمرت بإدخال تعديلات على الهياكل التنظيمية للوزارات، وتبني ترتيبات مماثلة لمجالس الإدارات في الشركات الخاصة، وذلك بهدف أن تعكس الهياكل التوجهات الجديدة للحكومة الاتحادية، بما يساعد على ترويج ثقافة القرار المؤسسي وتعزيز روح المساءلة.
أريد أن أرى خطط التدريب وبرامج إعداد القيادات في كل الوزارات، وستكون الترقيات مرتبطة بالإنتاجية وتقارير الأداء في إطار من الشفافية الكاملة، وستكون فرص الترقية متاحة لمن يستحقها، ويمكن أن ينال المجتهد ترقية سنوية، وأن يقفز خلال سنوات معدودة إلى الدرجات العليا. وأقول لجميع الموظفين إن كل موظف في الحكومة الاتحادية هو محل اهتمامي المباشر، وإن لكل مجتهد نصيباً.. وأقول لهم أيضا إن فرص التطور والترقي مفتوحة للجميع وليس لها حدود، لكن بشرط العمل الجاد والمخلص، والتفاني في خدمة الوطن والمواطنين.
إن رؤيتنا للحكومة هي أن تكون من أفضل الحكومات العالمية في تقديم الخدمات، وأن تكون مكاناً للإبداع ولاحتضان الطاقات المواطنة المؤمنة بقيادتها، والقادرة على ابتكار الحلول وتبني أفضل الممارسات العالمية، بل إننا نريد أن تكون ممارسات الحكومة عندنا هي الممارسات القياسية التي تسعى الدول إلى تبنيها وتقليدها.
لدينا الإمكانيات والقدرات لفعل ذلك، وكل ما ينقصنا هو تغيير بعض القناعات والثقافات السائدة في بعض وزاراتنا ومؤسساتنا.. إنني على يقين بأن التغيير في القطاع الحكومي قادم..
وأقول لموظفي الحكومة: لا تخافوا من التغيير، إن أمنكم وأمن عائلاتكم وأمن الوطن يكمن في تغيير الأداء نحو الأفضل والأكثر فاعلية والأكثر إنتاجية...
أشعر أنني أطلت عليكم.. أرجو أن تتحملوني، فقد بقي في الإستراتيجية ثلاثة محاور سأعرض عناوينها الرئيسية باختصار.
محور العدل والسلامة:
العدل أساس المُلك، هذا نهجنا في الإمارات، وهذا موروثنا وهو ميراثنا، والعدالة في القضاء لا تتحقق فقط بسلامة الأحكام، إنما أيضاً بسهولة ووضوح إجراءات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة هندسة للإجراءات المتبعة، واستخدام التقنيات الحديثة في المحاكم، وتوفير أرقى معايير الشفافية والمحاسبة في عمل التنظيم القضائي.
وكما أن العدل هو أساس الملك، فإنه أيضاً أساس الازدهار الاقتصادي، وهو مصدر الراحة والأمن للمجتمع، وهو ملجأ المظلومين والضعفاء.. وقد اطلعت على تقارير الفريق الوزاري، وقمت بنفسي بزيارة للمحاكم ووزارة العدل.. وأصدقكم القول بأني قد تفاجأت بما قرأت وما شاهدت، وسجلت عدم رضانا عن ذلك، ولن أسمح بأن يستمر ذلك، ولن نسمح بأن تظل قضايا الناس وحقوقهم معلقة بإجراءات طويلة وعقيمة، وسنعطي الوزير الصلاحيات اللازمة كافة والدعم الكافي والفرصة ليقوم بالتغيير، وسنتابع أداء المحاكم في المرحلة المقبلة، لنرى مدى الجدية في التغيير.
وقد أجرى الفريق الوزاري المختص دراسات معمقة وميدانية، وحدد الأهداف الإستراتيجية والمبادرات الكفيلة بإحداث قفزة نوعية في عمل القضاء من شأنها تعميق شفافيته، والارتقاء بتنظيماته وصيانة مكانة أعضائه، وتشجيع المواطنين المتميزين على الالتحاق به.
أما في محور السلامة، فقد وضعت الخطة إستراتيجية وطنية للطوارئ تتميز بالتماسك والشمولية والقابلية للتطبيق العملي على مستوى الدولة.
وستشهد الأيام المقبلة إنشاء هيئة وطنية للطوارئ، تضع خطة شاملة معززة قانونياً تحدد بشكل واضح العمليات والأدوات والمسؤوليات لضمان الاستجابة الفعالة والمتناسقة للمخاطر المحتملة كافة.
المحور الخامس في الخطة الإستراتيجية يتعلق بقطاع البنية التحتية: نملك في الدولة بنية تحتية متطورة تضاهي أرقى المستويات العالمية، ومع ذلك فإن عناصر هذه البنية تتعرض لضغوط شتى.
في مجال الإسكان، وعلى الرغم من الدور المهم لبرنامج الشيخ زايد للإسكان وبرامج الإسكان المحلية، فإن تزايد الطلب على المساكن أكبر من حجم المشاريع والبرامج، ونحن سعداء بتزايد طلب المواطنين للمساكن، لأن ذلك يؤشر لوجود أسر جديدة مواطنة تضيف لبنات جديدة لبناء المجتمع.
وقد درس الفريق الوزاري المختص وضع الإسكان من جوانبه كافة، وقدم مجموعة من الاقتراحات والخيارات الكفيلة بتسريع مشاريع الإسكان، وسيقوم مجلس الوزراء بدراستها واعتماد أنسبها، وصولاً إلى تلبية الطلب المتزايد على الإسكان، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين.
أما قطاع الطرق، فيواجه تحديات تتعلق بارتفاع نسبة مرور المركبات على بعض الطرق على المعدلات العالمية، وبمعدلات الإصابة العالية في حوادث الطرق خاصة في الإمارات الشمالية، وعدم وجود معايير ومواصفات وطنية موحدة لتصنيف الطرق. نحن بحاجة إلى مراجعة جذرية لقوانين المرور وتطويرها وتضمينها عقوبات رادعة للمخالفين.
ولابد من مراجعة الأنظمة الخاصة بتداول السيارات وترخيصها، بحيث يتم الحد من النسبة المخيفة لزيادة عدد السيارات سنوياً، وضمان سلامة وأمن مستخدمي الطرق.
المحور الثالث في البنية التحتية يتعلق بالبيئة، أصدقكم القول إنني فوجئت بتقييم الفريق الوزاري المختص لوضعنا البيئي، ويبدو أن ارتفاع النمو ومستوى المعيشة وجودة الحياة قد اصطحبت معها آثاراً سلبية على البيئة.
دراسات الفريق الوزاري أظهرت مجموعة من التحديات البيئية، التي سنقوم بمواجهتها ومعالجتها، لأننا مهتمون فعلاً بقضايا البيئة، فلدينا إستراتيجية وطنية للبيئة، ولدينا برامج وأنشطة عديدة، ولدينا واحدة من أهم الجوائز الدولية، هي جائزة الشيخ زايد للبيئة، وأخيراً استحدثنا وزارة للبيئة، سنوفر لها كل الدعم القانوني والإداري لتمكينها من تفعيل الإستراتيجية الوطنية وضمان تطبيق التشريعات البيئية الاتحادية في كل أرجاء الدولة، بما في ذلك المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة.
يجب أن يدخل الاهتمام بالبيئة في نظام حياتنا وأعمالنا وسلوكنا، ويجب نشر الوعي البيئي وإدخاله في مناهج التعليم وإدماجه في مواصفات ومقاييس الآلات والمعدات والأدوات والأجهزة ووسائل النقل لتكون صديقة للبيئة.
ومن المبادرات الحكومية الجديدة في هذا المجال، إدخال برنامج للخدمة الاجتماعية في جميع المراحل الدراسية، بحيث يقضي الطلاب والطالبات ساعات معينة سنوياً في خدمة المجتمع، كتنظيف الحدائق والشواطئ والعمل في المستشفيات ودور الرعاية وتنفيذ برامج بيئية ميدانية. وأطلب من وزير التربية والتعليم تضمين المناهج بدءاً من السنة الدراسية المقبلة ساعات خدمة اجتماعية إلزامية لجميع الطلاب، هذه الخدمة ستزيد وعي الطلاب البيئي، ولها دور تربوي مهم يعزز قيمة العمل، وينشر روح المسؤولية الاجتماعية ويغرس جذور العمل التطوعي.
المحور السادس في إستراتيجية الحكومة يتعلق بتنمية المناطق النائية: أنا لا أحب مصطلح "المناطق النائية"، هذه المناطق مهما قربت أو بعدت عن المدن هي جزء غالٍ في هذا الوطن، ولم تغفل القيادة في يوم من الأيام عن هذه المناطق واحتياجاتها، ولم تنقطع عن تفقد أحوال أبنائها، وكثيرون منهم يعملون مع إخوانهم في الوزارات والدوائر والأجهزة الاتحادية والمحلية كافة، وستكون توصيات الفريق الوزاري الواردة في الإستراتيجية محل اهتمام مجلس الوزراء، تماماً كما هي محل اهتمام صاحب السمو رئيس الدولة، الذي يحرص دائماً على أحوال أبنائه، ويؤكد تأمين احتياجاتهم في أرجاء الدولة كافة.
نحن نريد لأبناء هذه المناطق المستقرين فيها أن ينتجوا أكثر، وأن تصلهم الخدمات كافة بمستوى جودة الخدمات في المدن نفسه، نريد لأبناء هذه المناطق أن يكونوا أدوات فاعلة في عجلة التنمية.. نريد تمكينهم.. نريد أن يتسلحوا بأدوات العصر من علم ومعرفة وتكنولوجيا، حتى يكونوا قادرين على المنافسة ويستطيعوا مواكبة التغيرات السريعة الحاصلة من حولهم.
صاحب السمو رئيس الدولة، بين أيديكم إستراتيجية التمكين، استلهمنا سطوره من رؤيتكم، ووضعناها في إستراتيجية محكمة تغطي جوانب العمل الوطني كافة، وتتوخى تحديث أجهزة الدولة ضماناً لإدامة التنمية واستمرار تقدم الوطن، وتأمين المزيد من المكتسبات والرفاهية للمواطنين.
ونحن يا صاحب السمو، ندرك أن مقياس الجدارة ليس في وضع الوثائق والخطط، إنما في تنفيذها، وتقوم الوزارات حاليا بوضع الخطط الإستراتيجية، على أن نعتمدها قبل نهاية شهر يونيو من هذه السنة. كما أود أن أشير إلى أننا بدأنا في إطلاق بعض المبادرات التي تضمنتها، وهناك مبادرات أخرى في الطريق ستكون تحت إشرافي المباشر..
ولن تكون خطط الوزارات حبراً على ورق، بل ستكون لدينا أنظمة متخصصة لمراقبة أداء الوزارات، وسيكون مكتب رئاسة الوزراء مسئولاً عن هذه الأنظمة، وسيقوم برفع تقارير لي عن أداء الوزارات ومدى التقدم في تنفيذ الإستراتيجية، ولن أكتفي بهذه التقارير، بل سأقوم بنفسي بمتابعة الوزارات ميدانياً، والاستماع إلى رأي المواطنين في الخدمات المقدمة لهم.
نحن بعون الله وبدعمكم يا صاحب السمو، وبتعاون إخوانكم أعضاء المجلس الأعلى، ومشاركة المجلس الوطني الاتحادي، أهل لمواجهة أعتى التحديات، وتحقيق أعظم الإنجازات.
إن هذا الوطن أمانة في أعناقنا، وشرفنا أن نؤدي الأمانة، وأقول للمواطنين في مواقع العمل الوطني كافة، هذه الإستراتيجية منكم ومن أجلكم، ونجاحها في المقام الأول بأيديكم، والأنظار متجهة إليكم لتكونوا في مستوى توقعات قيادتكم، ولتقدموا دليلاً إضافياً على أنكم متلهفون للتغيير والتطوير، مصممون على المضي بالإمارات إلى مصاف الدول الأكثر تقدماً.
أخواتي وإخواني،
علمتنا الأيام أن المستحيل وجهة نظر، وأنه لا توجد حدود للتميز في السباق نحو الريادة، كما علمتنا الأيام أن الرؤية الواضحة والعزيمة القوية والرجال المخلصون يستطيعون تحويل الحلم إلى حقيقة، والرؤية إلى واقع.
إنني أؤكد لكم أن رؤيتنا واضحة، وأن عزمنا قوي إلى الدرجة التي أستطيع معها رؤية إمارات المستقبل.
أرى إمارات المستقبل تحت قيادتكم يا صاحب السمو وقد أصبحت محط أنظار العالم، تمتلئ بالتجارب الناجحة في الصحة والتعليم والإدارة الحكومية، وغيرها من القطاعات، التي يتبناها العالم كأفضل الممارسات، أرى إمارات المستقبل وقد وصلت إلى أرقى درجات العلم والمعرفة والرقي والازدهار، أرى إمارات المستقبل ينعم شعبها بمزيد من الخير الوفير، ويتمتع بأفضل درجات الرفاهية.
إنني أكاد أتلمس عظمة انجازاتها.. أكاد أمشي في شوارعها.. أدخل مدارسها فأرى طلبتها منهمكين في النهل من العلوم الحديثة في أحدث المختبرات ووفق أفضل التقنيات،
أتنقل بين حدائقها، أدخل مستشفياتها، فأرى نظرة الرضا في عيون المرضى، ونظرة الإصرار والمثابرة والحنان في عيون العاملين فيها.
أزور دوائرها ومؤسساتها، فأرى ملامح الراحة على وجوه زوارها، وأرى حب الريادة وعشق التحدي في نفوس كوادرها، وأراها وقد أصبحت مقصداً لوفود من كل أنحاء العالم، ينهلون من تجاربها ويسعون وراء خبراتها.
أمر بموانئها، بمطاراتها، بمصانعها، بأسواقها، فأرى إنجازات عظيمة، وأرى مدناً عالمية تموج بالحركة والنشاط، وتنافس أفضل مدن العالم.
أمر ببيوتها ومساكنها، فأرى أهلها وهم يعيشون حياة هانئة كريمة في بيوت جميلة، وحدائق غناء يلعبون فيها مع أطفالهم، وأرى عيون أطفالهم تملؤها المحبة والطمأنينة والتفاؤل بالمستقبل.
لسنا ممن يكثر الكلام، أو يغرق في الأحلام، ولكني أرى رأي العين وأعلم علم اليقين أن في الدولة رجالاً ونساء هم أهل لتحقيق هذا الحلم، يبذلون من حياتهم وأرواحهم لرفعة وطنهم وتحقيق رؤية قيادتهم والتغلب على التحديات كافة.
لقد وضحت الرؤية، وتحدد الهدف، والمستقبل لا ينتظر المترددين، ليس لدينا ترف الوقت، ولم نتعود على التردد والانتظار.
هذه دعوة لتوحيد الجهود وحشد الطاقات والانطلاق لتحقيق الرؤية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رجوع »
